التناصح.. التناصح.. وما أدراك ما التناصح

التناصح.. التناصح.. التناصح.. بعض الأصوات تُصور قناة التناصح وكأنها “دار الغولة”، أبواب حديدية مقفلة بسلاسل وأقفال ضخمة وأسياخ من حديد، يقف عليها حراس غلاظ أجلاف شداد، ما أن تخطو خطوة داخل مقر القناة حتى يستقبلك رجال بوجوه متجهمة عبوسة مكشرة، تتفرس بنظرات الريبة والشك والاتهام، نظرات صارمة حادة، تغرس الرعب في كل خلية من خلاياك، ترى داخل القناة جدران تزينها السيوف والسواطير والسياط، تسمع أصوات أنين واستنجاد وعويل، حشرجات خافتة تنبعث من شقوق الجدران، همس وتنابز ولمز، حراسات منتشرة في كل طريق وركن وزاوية، إشارات غامضة، جماجم ورؤوس متناثرة، مكان بارد مظلم، يلفه صمت رهيب، كآبة تغلف المكان، أبواب سرية وسراديب هنا وهناك، وغير ذلك من صفات بيوت الرعب، أو “ديار الغولة”.

تعالوا معي في جولة استكشافية سريعة داخل القناة.

فما أن تخطو الخطوة الأولى داخل القناة حتى تحتضنك حديقة صغيرة رائعة جميلة بسيطة، تشرح النفس، وتنقلك من غبار الشوارع، إلى هواء لطيف نقي نظيف، تحاصرك بعد ذلك كلمات الترحيب المصحوبة بالابتسامات، يستقبلك الكرم واللين، تستقبلك خلية نحل، يستقبلك الاحترام، تستقبلك الضيافة، ترى شبابا في عمر الورود، من طرابلس وتاجوراء وسوق الجمعة، ومن كافة أحياء ومناطق طرابلس، بل من كافة ربوع ليبيا، ومن كافة أعراق ليبيا، أصحاب لهجات مختلفة، وربما عادات مختلفة، لكنهم كالبنيان المرصوص.

إداريون وفنيون ومنتجون وحركة وصيانة وإعلاميون يديرون القناة بكافة أقسامها، يتحركون ويعملون وينتجون، ترى جدا وعملا دؤوبا وإنتاجا.

العاملون بالقناة بمختلف مسؤولياتهم، يتقاسمون ويتشاركون ويتعاضدون في الأفراح والأعراس والمآتم والأتراح.

وحتى في أتون العمل، وضغط العمل، ووسط تكاليف العمل، يخففون عن بعضهم البعض، بلحظات من مرح ونكات ومزاح بريء وتعليقات، يمارسون الرياضة، ينظمون المسابقات، ومنها (دوري) في كرة القدم، يتابعون بشغف مباريات كرة القدم المحلية والعربية والعالمية، يتناولون الوجبات معاً داخل القناة، شباب مرح عادي (مش غولة)، قد يكون من بينهم صديق لك، أو قريب، أو ابن مدينتك، أو زميل دراسة، أو ولد شارعك، أو حيك، أو ابن قبيلتك أو قريتك.

أغلب العاملين بالقناة شباب فني تكنوقراطي مهني، وأغلبهم من حملة الشهادات الجامعية، في مختلف التخصصات، وآخرون منهم في طريقهم إلى نيل الشهادة، يؤدون واجباتهم وتكاليفهم المناطة بهم بمهنية عالية وجد وإخلاص، حسب معايير فنية تقنية حديثة، وحسب ما توفر من إمكانات، ولا يخفى على أحد منا الضغط الهائل (جهداً ووقتاً) الذي يضعه المجال الإعلامي على منتسبيه.

أما رواد القناة وضيوفها والمشاركون في برامجها، فهم مزيج وخليط وفسيفساء رائعة، من أدباء وكتاب وشعراء على مستوى الوطن، عمداء كليات، وأساتذة جامعات، وعلماء وسياسيون، وأطباء، ومسؤولون، وصحفيون، ومديرو مدارس، ومعلمون، وطلبة علم، وشيوخ، وفقهاء، وضباط، وجنود، ورجال أعمال، ورجال قانون، ومثقفون، ومهندسون، واقتصاديون، وعمال، ومناضلون، وموظفون… إلخ. رواد من مختلف الانتماءات السياسية والاجتماعية والمناطقية والمهنية، مشهود لهم بحب الوطن والوطنية.

القناة تستضيف الناس بمختلف أطيافهم، وبصرف النظر عن مهنتهم أو انتمائهم العرقي أو القبلي أو السياسي أو الجهوي، القناة لا تفرض على أحد ماذا يقول، ومتى يقول، ولماذا يقول، أتحدث عن تجارب شخصية عملية واقعية حقيقية مع القناة، بل كل ما ذكرته يمكن رؤيته ومشاهدته وإثباته من خلال برامج القناة التي تُبث على الهواء علناً، كل ما عليك هو متابعة القناة لفترة وجيزة جداً، لتحكم وتتأكد وتقرر بنفسك، بل ربما تكتشف أكثر مما سبق ذكره.

ناهيك أن برامج القناة تقدم باقة متنوعة من البرامج: السياسة، والثقافية، والاجتماعية، والتعليمية، والرياضية، والإخبارية، القناة تبرز وتقدم الأزمات والمشاكل والقضايا التي يمر بها الوطن، يتوج هذه البرامج علوم القرآن الكريم، وتلاوته وتجويده، والفتاوى، وعلوم اللغة العربية، وغيرها من البرامج التي يحتاجها المواطن على مدار الساعة واليوم والأسبوع والشهر والسنة.

القناة لا تسيس المواقف والوقائع والحوادث والأحداث، بل تقدمها كما هي، مع إدراكها أن البعض قد لا يتقبل ذلك، لأن ثقافة البعض لا تفرق بين ضرورة تقديم الحقيقة كما هي، وبين تسييس الحقيقة.

والذين يهاجمون القناة، لم يخرجوا عن المصطلحات التجريدية اللفظية العامة، سب وشتم وطعن في المتحدث دون التعريج على ما يتفضل، كافة أعدائها يستخدمون المصطلحات الغامضة الهلامية العامة (تحريض، دجل، خطاب كراهية، فتنة، تدليس، تضليل… إلخ)، ولكن دون دليل واحد، دون مثال واحد، دون إثبات واحد، والسبب أن ما تتناوله القناة (بشكل عام) لا يروق لهم، البعض يعتقد أن القناة ما تأسست إلا لتؤيد آراءهم أو أفكارهم أو توجهاتهم.

ليس ذلك فحسب، بل إن من رواد القناة ومن ضيوفها من أخبرني أنه يتمنى أن يشار بالتحديد إلى محتوى أو لحظات أو لقطات تنم أو تدل على تحريض أو فتنة أو خطاب كراهية، حتى يعتذر، أو يتعلم، أو يصحح، أو يغير آراءه، أو يستفيد من الملاحظات، ولكن كل ما يجده مجرد مصطلحات – مرة أخرى – هلامية عامة.

انظروا – على سبيل المثال – إلى تعليقات البعض حول برامج أو لقاءات أو تحليلات التناصح عندما تُنشر على صفحة القناة (الفيس بوك)، لا تجد من خصوم القناة، نقداً موضوعياً واحداً (نعم واحداً فقط)، لا تجد منهم من يتحدث عن محتوى التحليل، أو محتوى اللقاء، أو مادة البرنامج، أو الحوار، أو النقاش، بل يتحدثون عن أمور جانبية لا علاقة لها بالمحتوى، أو الآراء، أو الرؤية التي يطرحها ضيوف القناة، متتبعين في ذلك منهجية أبي لهب في النقد، ضد سيد ولد آدم-صلى الله عليه وسلم (مريض، ساحر، كاهن… إلخ)، دون توفير دليل واحد على ذلك، نتيجة العجز عن مواجهة أو نقد أو تفنيد المحتوى الذي تقدم به رسولنا الكريم محمد-صلى الله عليه وسلم-للبشرية جمعاء.

رسالتهم وأهدافهم وغاياتهم واضحة، الطعن في الرسول الكريم، والصحابة الكرام، والتابعين، والعلماء عبر العصور وحتى يومنا هذا، حتى يمنعون الناس من الاستماع إليهم. منهجية قديمة مورست منذ قرون، لكنها لم تفلح بفضل الله-سبحانه وتعالى.

ويكفي قناة التناصح أنها لم تنقلب يوماً عن مبادئها التي انطلقت بها، هذه الميزة وحدها، تكفي لدفع وتشجيع كل عاقل أن يتعامل، أن يشارك، أن يتعاون، مع القناة، أو أن يكون ضيفاً عليها، وهو مرتاح البال مطمئن لقناة ثابتة لن تخذله يوماً، فتنقلب على عقبيها، حتى لو لم يكن ممن يساندون القناة في كافة توجهاتها ورسالتها وأهدافها، تجد نفسك في بيئة تبعث الطمأنينة في نفسك، تتعامل مع رجال مبادئ، فتعرف حدودك، وتعرف حدودهم، فلا تخشى الغدر والخداع والخيانة والطعن.

ما أستغربه أن قنوات أخرى عديدة، ليبية وعربية وعالمية، بعضها من دول غير عربية وغير مسلمة، تتناول وتنقل وتقدم لمشاهديها، نفس ما تقدمه قناة التناصح، من أرقام أو آراء أو حقائق أو تحليلات أو توقعات أو تحذيرات أو نصائح أو فتاوى أو أخبار، لكن تلك القنوات المحلية أو العربية أو العالمية، لا تحظى بذرة – أو أدنى – من النقد والعداوة والخصومة التي تُمارس ضد التناصح، ما يؤكد عدم مصداقية أسباب العداوة المعلنة ضد التناصح.

ما قدمته عن التناصح حتى الآن لا يوفيها حقها بالكامل، وما كتبته ليس رداً على خصوم القناة الذين يطعنون فيها (وهم يدركون حقيقتها)، ولكنها كلمات أكتبها لمن يُصدق بحسن نية، ما يتردد عن القناة.

وبيت القصيد هنا أن نتبين بأنفسنا، ونبحث، ونسأل، ونتقصى، ونحكم بأنفسنا، ثم لا يهم بعد ذلك أي قرار أو رأي أو وجهة نظر نصنعها تجاه القناة (سيكون على الأقل قرارك الشخصي)، فالله-سبحانه وتعالى-وهبنا عقلاً وبصيرة (بإذن الله)، علينا أن نستخدمها للوصول إلى الآراء الصائبة (بقدر المستطاع)، فلا تجمد عقلك وبصيرتك وتفكيرك، وتسلمها للآخرين، يوجهونك حسب أهوائهم ورغباتهم وتوجهاتهم، فتصبح – دون أن ترغب ودون أن تدري – مستسلما، تابعا، إمعة، إنسان آخر يفكر لك، قد تكون أكثر منه حنكة ودراية وذكاء، وقد يكون لنا حول هذا الأمر عودة.

والله من وراء القصد .

فتحي الفاضلي

20 – 09 – 2023 م

مشاركة