من ضحايا الإرهاب في ليبيا: المناضل المغيب ابن سوق الجمعة وابن الوطن: محمد الصادق هلال: بقلم: فتحي الفاضلي

أغلق أعوان القذافي أبواب ونوافذ الزنزانة التي سُجن فيها السيد محمد الصادق هلال بالإسمنت وتركوه فيها إلى أن فارق الحياة. والموت في غرفة سُدت منافذها بالإسمنت يأتي ببطء وبعد وقت طويل ثقيل من المعاناة والترقب والعذاب والانتظار. 

ولا يخفى على عاقل أن الدفن بالحياة تحت التراب أهون ألف مرة من هذه الميتة البشعة، فالدفن بالحياة يؤدي إلى موتة سريعة بالرغم مما تحمله – أيضا – من بشاعة وقسوة وشناعة

فمن هو السيد محمد الصادق هلال ؟  الذي قال لن أكتب للطاغوت مذكرة أستعطفه بها.. بل سأكتبها لله. مذكرة كان يمكن أن تنقذ حياته.. لكنه رفض كتابتها.

ولد المناضل المغيب محمد الصادق رمضان هلال في عام 1932م، بمنطقة سوق الجمعة بمدينة طرابلس، والتحق بكتاب “بن دحيم” بنفس المنطقة، أتم دراسته الابتدائية بمدرسة “الجديدة” بمنطقة الجديدة، التحق بعدها بالمدرسة الثانوية ثم تركها والتحق بمعهد المعلمين وتحصل منه على دبلوم التعليم المتوسط في عام 1950م.

تزوج السيد محمد هلال من السيدة نوارة مصباح الشاوش من مدينة تاجوراء في عام 1958م، ورزق منها بــ: رفعت (1960م – 2012م)، وأسامة (1961م)، وفاطمة (1965م)، ومنذر (1967م-1996م)، وحميد (1968م)، وسفيان (1969م)، وأشرف (1971م)، وحسام (1973م)، وحازم (1975م)، وأسماء (1976م)، وحنان (1978م)، وهناء (1980م).

وعقب حصوله على دبلوم التعليم المتوسط (عام 1950م) زاول السيد هلال مهنة التعليم في مدينة ودان (من 1950 إلى 1951م)، ثم في مدينة سرت (من1951 إلى 1952م)، ثم في مدينة تاجوراء (من 1953م الى 1954م)، ثم بالمدرسة المركزية بسوق الجمعة، أي في مسقط رأسه طرابلس (من 1954م إلى 1957م). وشارك أثناء ممارسته لمهنة التعليم، في تأسيس نادي الترسانة بسوق الجمعة (هلال طرابلس سابقا) واختير مديرا للنادي في عام  1958م.

كما عمل السيد هلال في 1958م كمحرر سياسي بصحيفة طرابلس الغرب، واستمر في عمله هذا إلى عام 1960م. وفي نفس العام (1960م) دشن نشاطه النقابي بالتحاقه بمكتب العمل، وبالتحديد تبع نقابة عمال البترول، واُرسل أثناء ذلك في دورة تدريبية إلى تركيا في مجال العمل النقابي لمدة ستة أشهر.

تولى السيد هلال، أثناء عمله في النقابة، الدفاع عن حقوق العمال الليبييين، واستمر في ذلك حتى عام 1964م، ترك بعدها القطاع الوظيفي والتحق بالعمل الحر، فافتتح متجرا لبيع الطلاء في شارع الرشيد بمدينة طرابلس (المتجر ما زال قائما منذ قرابة النصف قرن يملكه اليوم مواطن آخر).

كما أسس في عام 1968م، مع الشهيد عامر الدغيس شركة لاستيراد وبيع مواد البناء. أسس بعدها، وبالتحديد في عام  1970م، شركة لتوريد وبيع الآلات الزراعية مع السيد محمد بشون صهر السيد عبد القادر البدري رئيس وزراء ليبيا الأسبق (من يوليو 1967م إلى اكتوبر 196م)، وهو رئيس وزراء ليبيا التاسع قبل انقلاب سبتمبر،  وقد توفي رحمه الله في عام 2003م.

وفي عام 1970م أيضا قام السيد هلال بشراء مزرعة في منطقة السواني وتفرغ لحرفة الزراعة حتى شهر فبراير من عام 1973م، افتتح بعدها متجرا لبيع المواد الغذائية (سوبر ماركت) بحي الأندلس بمدينة طرابلس، واستمر في إدارة متجره والاسترزاق منه إلى أن تم الاستيلاء عليه من قبل نظام الطاغوت القذافي وذلك في الثلاثين من شهر مارس من عام 1981م.

ولم تنحصر نشاطات السيد هلال على الجوانب المهنية والتجارية والوظيفية، بل كانت حياته مفعمة بالنشاطات السياسية والاجتماعية والثقافية. فعمل السيد محمد هلال – وكما ذكرنا – كمحرر سياسي في صحيفة طرابلس الغرب، وكتب أيضا في صحيفة الأيام، وشارك مشاركة فعالة في حملات محو الأمية التي كانت تُنظم على مستوى الوطن. كما تقدم كمرشح للبرلمان في عام 1960م (أثناء العهد الملكي) ممثلا عن منطقة سوق الجمعة، وعندما فاز في انتخابات البرلمان، طعن فيه خصومه لأنه – وكما ادعوا – كان “مشاغبا“.

وتم بالفعل قبول الطعن وأسقط اسم السيد محمد هلال من قائمة النواب الناجحين، وبالطبع كان نشاطه السياسي والاجتماعي والثقافي ووطنيته وفكره القومي الاسباب الحقيقية وراء محاربته والطعن فيه وإسقاط اسمه.

لكن هذا الأمر المجحف لم يثن من عزم المناضل محمد هلال، بل زاد من تصميمه واصراراه وعزيمته على خدمة أمته، فناصر الثورة الجزائرية أثناء حرب التحرير الجزائرية (نوفمبر 1954م – 5 يوليو 1962م) مناصرة مكثفة فعالة متميزة في جميع المجالات، بالجهد والوقت والمال، فجمع للثوار الأدوية والعدة والملابس والمساعدات العينية الأخرى والمال والعتاد والسلاح، كما ساهم وبشكل مكثف فعال في إيواء اللاجئين الجزائريين في ليبيا.

كانت جهود السيد هلال متميزة جدا، إلى درجة أن الحكومة الجزائرية لم يفتها أن تقدر جهوده الجبارة تجاه الثورة الجزائرية وتجاه الجزائريين، فعرضت عليه الجزائر الإقامة فيها، واعتبرته مجاهدا جزائريا يُعامل كما يُعامل أبطال الجزائر (وهي أعلى طبقات التكريم في الجزائر)، لكنه فضل البقاء في وطنه ومسقط رأسه، وفضل أن يواصل مسيرة النضال من أجل وطنه ومن أجل أمته.

ليس ذلك فحسب، ففي الذكرى العشرين لعيد تحرير الجزائر، أي في عام 1984م كان السيد محمد الصادق هلال ضمن قائمة المكرمين الرئيسين في الجزائر، بالرغم من أنه كان رهين معتقلات القذافي في ذلك الوقت، لكن اسمه أسقط بعد تدخل نظام الطاغوت المنهار وزبانيته.

لم يتوقف نضال السيد محمد هلال تجاه أمته على القضية الجزائرية فحسب، بل كان له تاريخ نضالي مشرف متميز آخر تجاه القضية الفلسطينية فقد شارك – وكعادته – مشاركة فعالة في حملات نصرة القضية الفلسطينية (في نهاية الستينيات وبداية السبعينات) من جميع الجوانب أيضا: ماديا واجتماعيا وسياسيا وثقافيا.

انضم السيد محمد الصادق هلال في عام 1958م إلى حزب البعث العربي الاشتراكي في ليبيا عندما كان يترأسه السيد عامر الدغيس. وقد انضم إلى الحزب عن طريق السيد فوزي البغدادي. وكان يتردد على السيد هلال في متجره بحي الأندلس العديد من القيادات، منهم السادة بشير أبو عجيلة بن كورة، وعمر الأبيض، والطيب عدالة، والمبروك القنودي، وعمران أبورويس، ويوسف عقيلة المجبري، ومحمود عمر بوعبيد، وفريد حسين أشرف،  ورمضان عبد الله علي بوخيط، وعبد الحميد يوسف البابور، ومصطفى إرحومة سالم النويري، وعبد المطلب عبد الله الشيباني، وكثيرون غيرهم.

 وفي شهر أغسطس من عام 1961م اُعتقل السيد محمد هلال وسجن مع 183عضوا من أعضاء حزب البعث في ليبيا بتهمة التخطيط لقلب نظام الحكم. وكان من بين المعتقلين في تلك الحملة السادة محمد فرج حمي (قتل في ابريل 1980م) وعامر الدغيس (قتل في 27 فبراير 1908م) والحسين أحمد الصغير (قتل في مارس 1980م)، وعامرالبكوش، وحسونة الدغيس، وسعدون حمادي (عراقي)، وأحمد هلال، وكثيرون غيرهم. وقد حوكم المعتقلين بفترات متفاونة، كما حُكم بالسجن على السيد محمد هلال لمدة ستة اشهر.

استمرت مسيرة النضال السياسي للسيد محمد الصادق هلال حتى بعد خروجه من السجن، فساهم في تنظيم وقيادة مظاهرات الطلبة في مدينة طرابلس أثناء أحداث الطلبة التي اندلعت في شهر يناير من عام 1964م. واعتقل السيد هلال (واعتقل معه السادة عامر الدغيس وبشير بن كورة) بتهمة تحريض الطلبة على الخروج في المظاهرات، وسجن على خلفية تلك الأحداث لمدة ثلاثة أشهر، خرج بعدها ليواصل مسيرته النضالية.   

وفي أوائل عام 1970م، اجتمع السيد محمد الصادق هلال والسيد بشير بن كورة والسيد عامر الدغيس كممثلين عن حزب البعث العربي الاشتراكي الليبي – اجتمعوا – بصدام حسين (نائب الرئيس العراقي في ذلك الوقت) في مدينة طرابلس. وقد أشار عليهم صدام بأن “يتغذوا بمعمر قبل أن يتعشى بهم”، فرفضوا ذلك قائلين: “إنهم مدنيون وضد العمل العسكري”، ودعاهم صدام حسين في ذلك الاجتماع أيضا إلى تجديد نشاط الحزب على أسس جديدة.

كان رجل بحجم ووزن وتاثير ونشاط ونضال وتاريخ السيد محمد هلال تحت مجهر المخابرات الليبية بل وجميع أجهزة النظام الطاغوتي منذ عام 1969م. وفي يوم الجمعة الموافق للسابع من شهر سبتمبر من عام 1980م زار السيد هلال أحد أصدقائه من رجال الأمن وأبلغه بأن النظام ينوي اعتقاله، كما أبدى رجل الأمن الصديق استعداده لتهريب السيد هلال إلى تونس، بل وأبدى استعداده أيضا لمرافقته إلى الحدود الليبية التونسية. لكن السيد هلال رفض ذلك العرض ورد صاحبه ردا جميلا. فعلق رجل الأمن قائلا: “يا محمد أنا درت اللي عليّ.”

وبعد ثلاثة أيام من الإنذار المبكر للسيد هلال وبالتحديد عند الساعة الثامنة وعشر دقائق مساء في يوم الجمعة الموافق للعاشر من سبتمبر من عام 1980م، توقفت أمام متجر السيد هلال في حي الأندلس سيارة بيضاء من نوع “داتسون 140″، تحمل مجموعة من رجال الأمن، فاعتقلوا السيد هلال واقتادوه إلى مكتب الأمن في شارع النصر.

ثم جاء المدعو معاوية الصويعي، أحد أعضاء اللجان الثورية أو بالأحرى الإرهابية وأخذه من مكتب الأمن إلى مكان مجهول، ولم يُعرف مكانه منذ تلك اللحظة ولمدة ستة أشهر تقريبا. كان الضحية قد بلغ من العمر ساعة اعتقاله الثامنة والأربعين عاما وبلغ أكبر أنجاله (رفعت) العشرين عاما، كما لم تولد بعد اصغر بناته (هناء).

اعتقل السيد هلال بتهمة الانتماء لتنظيم سياسي (التجمع الوطني الديمقراطي) بهدف إسقاط نظام الطاغوت وأحيل إلى نيابة أمن الثورة. وبعد ستة أشهر من تاريخ الاعتقال، جاء رجال الأمن إلى بيت السيد هلال وطلبوا ملابسا للضحية، وبعد ذلك بأيام، أبلغوا الأسرة المنكوبة بأن رب بيتهم معتقل في سجن الجديدة.

استطاع أبناؤه أسامة ورفعت والسيدة زوجته زيارته ولأول مرة في شهر سبتمبر من عام 1980م مدة تقل عن نصف ساعة. ومن جراء ما مر به من قمع وتنكيل وإهانة وضرب وتحقيق، لم يتعرف عليه أبناؤه عند أول لقاء به بعد اعتقاله، بل تعرف هو عليهم وذلك – كما ذكرنا- بسبب التغيرات البدنية التي مر بها، فقد تعرض للتعذيب من شهر مارس من عام 1980م إلى شهر أغسطس من نفس العام أي لمدة ستة أشهر كاملة تقريبا.

وبعد عام ونصف تقريبا نُقل السيد هلال (مع باقي المعتقلين في نفس القضية) من سجن الجديدة إلى سجن الحصان الأسود. وكان يُسمح بالزيارة في سجن الجديدة، مرة كل أسبوعين، أما في سجن الحصان الأسود فمرة كل ثلاثة شهور.

ولم يعتقل السيد هلال بمفرده، بل اُعتقل معه ما يقارب التسعين متهما، أطلق سراح أغلبهم وبقي أربعة وعشرين (بالإضافة إلى السيد هلال) رهن الاعتقال، اتهموا بنفس التهمة الرئيسة مع اختلاف بعض التفاصيل والحيثيات من فرد إلى آخر. وقد أحالت “نيابة أمن الثورة” الخمسة والعشرين معتقلا إلى محكمة الشعب. وكان يُشار إلى كل متهم بإسمه أحيانا وبرقم أحيانا أخرى، فكان يشار إلى السيد هلال – بالإضافة إلى اسمه – بالمتهم رقم  16.

أما قائمة التهم فحدث ولا حرج، فقد ضمت باقة مألوفة معروفة محفوظة في أدراج المخابرات العربية بدون استثناء، حوت هذه القائمة، اتهامات جاهزة مفصلة مضخمة كالانتماء إلى حزب محظور، وعدم التبليغ عن الانتماء إلى ذلك الحزب، والاجتماع في خلايا سرية، ونقد السلطة الثورية، واستلام أموال من مندوب دولة أجنبية، وإستلام كتب ومنشورات تروج للفكر البعثي، والدعاية المثيرة ضد “ثورة الفاتح”، وتزويد ممثل حكومة أجنبية بأسرار مماثلة لأسرار الدفاع عن البلاد، وتقديم معلومات عن بعض الأشخاص الليبيين، ومعلومات عن الرأي العام الليبي، ونقد منجزات الثورة الاقتصادية والاجتماعية، وغير ذلك من تهم مرصوصة في ثلاجات النظام.

وطلبت نيابة أمن الثورة من المحكمة، معاقبة المتهمين حسب قانون تجريم الحزبية، وقانون حماية الثورة، كما طالبت النيابة بانزال أقصى عقوبة على المتهمين.

لكن المحامين أكدوا بطلان شرعية وأحقية وصحة قبض اللجان الثورية على المتهمين. وبطلان استجواب ضباط هيئة أمن الجماهيرية وضباط الشرطة للمتهمين، لأنهم (أي ضباط هيئة أمن الجماهيرية وضباط الشرطة) ممنوعون من ذلك قانونيا، فلا سلطة تحقيق لهم، ولا خبرة، ولا مهارة في هذا المجال، كما أكد المحامون بطلان حبس المتهمين احتياطيا، وبطلان اعترافاتهم، حيث انتزعت الاعترافات بالإكراه، فقد أثبت الطبيب الشرعي وجود آثار للتعذيب على ثمانية من المتهمين على الأقل. وأبطلت الأدلة لأنها مستندة على إجراءات باطلة.

كما ثبت أن المعلومات التي ادعت النيابة أن لها طبيعة سرية وأن المتهمين قد قاموا بتسريبها   – ثبت – أن هذا الادعاء غير صحيح. كما أن الدعاية المثيرة تعتبر دعاية مثيرة إذا كانت علنية فقط ، والاعتراف يعتبر قانونيا إذا ما صدر عن المتهم على نفسه، وليس على غيره. والدليل على الاعتراف بالإكراه أن المتهمين عدلوا اعترافاتهم بمجرد مثولهم أمام القاضي.

وهكذا، وبسبب الإكراه، وعدم توفر أركان الجرائم المسندة إلي المتهمين، وعدم قيام دليل على إدانتهم، وعدم دستورية قانون حماية الثورة، ومخالفة إنشاء نيابة أمن الثورة لمبادئ العدالة، وإعلان حقوق الإنسان، والمواثيق والمعاهدات الدولية، ومخالفتها لدستور اتحاد الجمهوريات، وبطلان التحقيق والاعترافات وباقي الاجراءات – لكل هذه الاسباب – طالب المحامون القضاء بتبرئة المتهمين.

وفعلا حكمت المحكمة في 2 يناير من عام 1981م ببراءة المتهمين جميعهم مما نسب إليهم، ولكن لم يطلق سراح المعتقلين، بل تقدمت نيابة أمن الثورة في 31 يناير 1982م بطعن أمام المحكمة العليا. ولكن المحكمة العليا أيدت حكم البراءة.

لم يطلق الطاغوت سراح المعتقلين حتى بعد الحكم ببراءتهم وحتى بعد تأييد المحكمة العليا للحكم الصادر أيضا. بل ظلوا رهن الاعتقال. ليس ذلك فحسب، بل وأحيلوا إلى ما يسمى بالمحكمة الثورية الدائمة. وهي جهاز قمعي مخابراتي يتبع مكتب اللجان الثورية يأتمر بأمر الطاغية مباشرة وينفذ كافة رغباته وطموحاته ونزواته في السحل والشنق والتعذيب والحكم بالإعدام والقتل.  

المحكمة الثورية الدائمة عبارة عن جهاز قمعي يقوم بأقذر المهام، لا يتمتع أعضاؤها بأبسط المبادئ القانونية، بل يتمتعون بكم هائل من تحجر القلوب والقسوة والرغبة في  تعذيب وقمع وإذلال عباد الله وإدخال الأحزان على قلوب البشر. هم، وبكل اختصار، عبدة الطاغوت.

 أعضاء هذه المحكمة المهزلة هم من أعضاء اللجان الثورية الدمويين يختارهم معمر للبث في القضايا التي تحكم فيها المحاكم ببراءة المتهمين السياسين. هذه المحكمة المهزلة تبدل الأحكام حسب رغبة وهوى ومطلب معمر. وقد تكرر هذا الأمر (تغيير الأحكام) عشرات المرات ضد عديد الضحايا في ليبيا ومنهم على سبيل المثال الشهيد إمحمد حفاف، بل وشهداء حزب التحرير بصفة عامة، وغيرهم من شهداء الوطن.

تشكلت لجنة التحقيق واعضاء المحكمة الثورية الدائمة التي مثل أمامها المناضل محمد الصادق هلال من نفس الأشخاص (المحققون هم انفسهم القضاء)، اي خصم وحكم، وقد ضمت لجنة التحقيق وأعضاء المحكمة الثورية كل من عبد السلام الزادمة، والطيب الصافي، وهدى بن عامر، وسعيد راشد خيشة، وكان مصطفى الزائدي (أو الزايدي) يحضر معهم بعض  تلك الجلسات.

حكمت المحكمة الثورية الدائمة، بأحكام تفاوتت من إخلاء السبيل إلى الإعدام. ومن ضمن خمسة وعشرين ضحية حكمت المحكمة الثورية بإخلاء سبيل خمس عشرة ضحية، وبالإنذار النهائي لخمسة منهم. وبالسجن لمدة ثمانية سنوات لإثنين منهم، وبالإعدام على ثلاثة فقط من الضحايا، من بينهم السيد محمد الصادق هلال، بالإضافة إلى الشهيد مصطفى رحومة سالم النويري، والسيد فريد حسين أشرف. وقد جاءت الأحكام كالاتي:

  • عبد الحميد يوسف البابور (السجن 8 سنوات)

  • محمد سليمان عبد الله الزليطني (إنذار نهائي)

  • محمود عمر بوعبيد (السجن 8 سنوات)

  • مصطفى رحومة النويري (الإعدام شنقا).

  • عبد المطلب عبد الله الشيباني (إخلاء سبيل)

  • عبد العاطي الهادي علي صقر (إخلاء سبيل)

  • إبراهيم احمد الجيلاني الحاج (إخلاء سبيل)

  • محمد محمد عبد الله القماطي (إخلاء سبيل)

  • أحمد حسين آدم المنصوري (إخلاء سبيل)

  • رشاد أبوبكر فرج رشاد (إخلاء سبيل)

  • الهادي رمضان محمد أوخيات (إخلاء سبيل)

  • محمد علي محمد الشائبي (إخلاء سبيل)

  • علي عبد الله محمد ختريش (اخلاء سبيل)

  • رمضان عبد الله علي بوخيط (انذار نهائي)

  • محمد محمد علي مهلهل (إنذار نهائي)

  • محمد الصادق رمضان هلال (الإعدام شنقا)

  • رمضان محمد عميش (إنذار نهائي)

  • فريد حسين أشرف (الإعدام شنقا، لم ينفذ)

  • بشير ابو عجيلة بن كورة (إنذار نهائي)

  • صالح السنوسي عبد السيد (إخلاء سبيل)

  • عمر الهادي عمر شنشن (إخلاء سبيل)

  • سالم مبارك السوسي (إنذار نهائي)

  • حسن محمد صالح الدرسي (إخلاء سبيل)

  • المنفي مصباح المنفي حسن (إخلاء سبيل)

  • حسين عبد الله مخلوف (إخلاء سبيل)

كان السيد هلال إذاً ضمن ثلاثة ضحايا من بين خمس وعشرين ضحية، حكم عليهم بالإعدام شنقا حتى الموت. وقد نُفذ حكم الإعدام شنقا وعلنا في الشهيد مصطفى إرحومة النويري في 22 أبريل 1984م، ووجدت جثته محفوظة في ثلاجة في مستشفى الزاوية بعد ثورة السابع عشر من فبراير أي بعد ما يقارب الثمانية وعشرين عاما من تنفيذ حكم الاعدام. ولم ينفذ حكم الإعدام في السيد فريد أشرف بل أطلق سراحه في عام 1988م، وتوفي في مدينة طرابلس في عام 1995م.

بقي السيد محمد هلال في السجن المركزي بطرابلس أو الحصان الأسود (بورتا بينيتو سابقا) حتى 22 يناير 1984م وهو تاريخ آخر زيارة سُمح بها لأسرته وبعد هذا التاريخ منع الطاغية أية زيارة له. نُقل بعدها إلى معتقل (أبو سليم) ولم تره أسرته منذ ذلك الحين وإلى يومنا هذا.

تعرض السيد هلال داخل السجن إلى اسواء أنواع التعذيب والإهانة وومحاولات التركيع.  فعلى سبيل المثال دفع المدعو عبد السلام الزادمة السيد هلال على الحائط (وهو داخل السجن) بقوة وقال له ساقوم بإعدامك اليوم، فقال له السيد هلال إنك اجبن من أن تفعل ذلك، فسيدك لم يأمرك بذلك بعد.

كما حفظ السيد هلال المصحف داخل السجن وترك عادة التدخين وكان رجلا صلبا قويا متماسكا صبورا، عالى الهمة والعزيمة بل كان يقوم بتصبير الآخرين داخل المعتقل.

وكان الضحية عادلا صلبا في الحق، أمينا، فقد عُرض عليه  – داخل المعتقل – وبعد الحكم عليه بالاعدام، أن يكون شاهد إثبات ضد مجموعة أخرى من الليبيين اعتقلوا بتهمة التآمر على الطاغوت، وذلك مقابل إطلاق سراحه إذا قبل بأن يكون شاهد إثبات. لكنه رفض وبشدة. بينما قبل غيره ذلك.

ليس ذلك فحسب بل تقدم للمحكمة كشاهد نفي في نفس القضية، ما يدل على أصالة وطبيعة ومعدن الرجل. وتعرض السيد هلال بعد موقفه هذا، والذي أغضب فيه الطاغوت وزبانيته إلى أسواء معاملة فوق ما تعرض إليه من قبل.

ثم طلب منه النظام الطاغوتي كتابة مذكرة إعتذار واستعطاف واسترحام مقابل إطلاق سراحه فوراً. فرد بحزم قائلا: “سأكتب مذكرة استعطاف لله.. ولن اكتبها لهم.. لو ربي أراد لي الخروج سأخرج.. ولو كان هناك مليون طاغية قذافي يقفون أمام باب السجن”. لقد قال وبكل اختصار “لن اكتب للطاغوت مذكرة استعطفه بها.. بل سأكتبها لله.”

وفي الأحداث التي عُرفت بـ”أصبح الصبح”، أي في عام 1988م، أخبر السيد محمود عمر عبيد (المتهم الثالث في القائمة وأحد المفرج عنهم في 1988م) أسرة المناضل هلال بأنه رأى السيد هلال آخر مرة في معتقل (أبو سليم) في  شهر مارس من عام 1986م. وأكد ذلك أيضا السيد أحمد الزبير السنوسي والذي كان في نفس الزنزانة مع المناضل هلال، وكانت  تلك الزنزانة تُسمى بزنزانة الإعدام.

وتواترت الأخبار أيضا عن نقل مجموعة من سجناء معتقل أبو سليم (من 12 إلى 13 معتقلا حسب أغلب الروايات) بينهم السيد هلال، إلى مكان مجهول يوم الخامس عشر من مارس من عام 1986م. وأثناء نقل الضحايا من معتقل أبوسليم سرب أحد أفراد المجموعة وريقة إلى أحد الأطباء (عندما كان في زيارة للمستشفى) كتب فيها “إننا مجموعة من سجن أبوسليم نُقلنا إلى مكان مجهول… نرجو إبلاغ الأهل.”

ويدعم هذا الخبر ويتوافق أيضا مع ملابسات وظروف اختفاء المناضلين الشارف الغول، وسالم الغالي،  وحسين هدية في نفس التاريخ. فقد سرب المُغيب الشارف الغول وريقة كُتب فيها “الشارف الغول، حسين هدية، وسالم الغالي.. 16 مارس 1986م”، سربها الضحية الشارف الغول الى احد المعتقلين الباقين في سجن ابوسليم، وذلك عندما اصطحبهم زبانية السجن خارج معتقل أبوسليم في 15 (او 16) مارس من عام 1986م، وهو آخر تاريخ شوهد فيه الضحايا الثلاثة، وآخر تاريخ شوهد فيه السيد هلال، وهو ما يرجح صحة اصطحاب مجموعة من المعتقلين في ذلك اليوم خارج معتقل أبي سليم، وقتلهم خارج نطاق القانون (ربما يوم 16 أو 17 مارس).

ليس ذلك فحسب بل يروى أن أحد أفراد الشؤون الإدارية في معتقل ابوسليم، اعترف عندما قُبض عليه بعد ثورة السابع عشر من فبراير، بصحة اصطحاب المجموعة المذكورة وإعدامهم يوم 16 مارس في ميدان الرماية بمعسكر كتيبة امحمد المقريف (ربما بخلة الفرجان). بل ما زال أحد أفراد المفرزة التي نفذت حكم الاعدام على قيد الحياة، ويقال انه صرح بصحة تنفيذ الإعدام في المجموعة المذكورة، ودفنها في مقبرة جماعية بمقبرة السدرة.

كما تواترت رواية أخرى اكثر بشاعة، ذكرناها في بداية المقال، مفادها ان زبانية الطاغية قد قاموا باغلاق ابواب ونوافذ الزنزانة التي سُجن فيها السيد محمد الصادق هلال بالاسمنت وتركوا فيها السيد هلال الى ان فارق الحياة.

شيء من معاناة الاسرة..

قامت اللجان الثورية، أو بالأحرى اللجان الارهابية، بالتحقيق بأساليبها القمعية الإرهابية البشعة مع السيد أسامة هلال بسبب نشاطات أخويه اشرف وحميد. حدث ذلك في احد ايام السابع من أبريل. كما اُعتقل السيد حميد لمدة اربعين يوما، بعد أن اتهموه بالكتابة على الجدران ضد ما يُسمى بثورة الفاتح. حدث ذلك في 1982م، عندما كان السيد حميد طالبا في المدرسة الثانوية. وهدد أعضاء اللجان الإرهابية وبكل وقاحة وقلة أدب وتصلف، هددوا السيد اسامة قائلين: “باننا سوف نحضرأخواتك وأمك ونحقق معهم“.

كما جمعت اللجان الثورية في أحد أيام السابع من أبريل مئات الطلبة من عدة مدارس في المنطقة وطلبوا من السيد أشرف هلال، عنما كان طالبا في المرحلة الثانوية، أن يصعد إلى المسرح، وأعلنوا للحضور أن أشرف هلال “خائن رجعي وأن والده رجعي أيضا”، ومن تداعيات هذا الحدث السادي أن ترك أشرف الدراسة نهائيا.  

وقدم النظام الطاغوتي عرضاُ للسيد أسامة هلال – نجل السيد هلال – للانضمام إلى الأمن الداخلي مقابل تسهيلات مادية وتجارية مغرية تشمل إنشاء وافتتاح وإدارة محلات تجارية في مدينة طرابلس، مقابل التغاضي عن مصير السيد هلال، وذلك في محاولة دنيئة لاستقطاب وكسب وتحييد أحد أفراد العائلة، ضمن برنامج تجميد أو تحييد أعداء النظام الطاغوتي. ولكن السيد أسامة رفض كل ذلك.

وفي محاولة ترغيبية أخرى عرض نظام الطاغوت الأموال الطائلة على أسرة السيد هلال مقابل التنازل عن قضية والدهم ونسيانها، ولكن الأسرة الكريمة رفضت ذلك بالرغم مما كانت تمر به من ضائقة مادية شديدة.

شيء من تداعيات القضية… بعد ثورة السابع عشر من فبراير

تعرضت أسرة السيد هلال – في بداية ثورة السابع عشر من فبراير – إلى صنوف من القمع والمراقبة والملاحقة والاضطهاد. فعلى سبيل المثال، حاصرت ثمان سيارات، من سيارات الكتائب، بيت الأسرة الكريمة في أحد الأيام عند الساعة الثالثة صباحا، تحمل كل سيارة أربعة من جنود الطاغية مدججين بالسلاح.

وقاموا بتصويب بنادقهم إلى ظهور السادة أسامة وأشرف نجلا السيد هلال، وقاموا بتفتيش البيت تفتيشا دقيقا بتكبر وصلف وتهديد وعنجهية ووعيد، بالرغم من وجود سيدات داخل البيت، وزيادة في الإرهاب اصطحبوا معهم السيد أشرف وأعادوه بعد ساعات عاشتها الأسرة في رعب وترقب وخوف من أن يلقى مصير والده.

 سارعت الأسرة، بعد سقوط الطاغوت، بنشر بلاغ عن مفقود، وذلك في الثامن من سبتمبر من عام 2011م، أحتوى هذا البلاغ خلفية وملابسات وظروف اعتقال وتغييب واختفاء السيد هلال.

كما قدمت أسرة السيد هلال، في عام 2011م، مذكرة إلى السيد مصطفى عبد الجليل رئيس المجلس الوطني بخصوص قضية تغييب السيد هلال تطلب فيها الأسرة الكشف عن مصير والدهم، والذي قام مشكورا بإحالتها الى وزير الداخلية في ذلك الوقت، ثم من وزير الداخلية (ربما في 12 مارس 2012م) إلى السيد مدير الإدارة العامة للبحث الجنائي.

وجاء رد مدير الإدارة العامة للبحث الجنائي مكتوبا وموثقا ومؤكدا للوقائع التالية: عملية الاعتقال في 1980م، وصحة الإحالة إلى ما يسمى بنيابة أمن الثورة، وصحة إحالة الضحية إلى محكمة الشعب، وأكدت رسالة مدير الإدارة العامة للبحث الجنائي أيضا، صدور الحكم ببراءة السيد هلال، بالإضافة إلى تأكيد حقيقة عدم إطلاق سراحه بعد الحكم ببرائته. وأكدت أيضا الطعن الذي تقدمت به ما يُسمى بنيابة أمن الثورة، وتحدثت الرسالة أيضا عن واقعة نقل الضحية في عام 1986 من معتقل ابوسليم إلى مكان اخر.

وفي الثاني والعشرين من أبريل 2014م، تم تنظيم احتفالية للضحية بنادي الترسانة – بمنطقة سوق الجمعة، حضرها عديد النخب والساسة والمثقفين واقرباء وأصدقاء الضحية. القى فيها الشاعر المخضرم السيد عبد المولى البغدادي (رحمه الله) قصيدة رائعة عن الضحية بعنوان: “يا شهيدا مغيبا يا هلالا.. “، قال السيد عبد المولى في مقدمتها:

هذه مشاعر مفعمة بالحب والأسى مهداة إلى الصديق المناضل محمد الصادق هلال الذي غيبه الطغيان عنا منذ ما يقارب من ثلاثين سنة ولم يُعرف له مصير حتى الآن. فله وإلى آل بيته ومحبيه بسوق الجمعة وبكافة أرجاء وطننا الحبيب الذي ضحى من أجله أهدي هذه المشاعر.

تقول بعض ابيات هذه القصيدة:

الهلال الأصيل يبقى هلالا          

لم تزده الغيوم الا اكتمالا

يا بني السوق اي سوق خطير   

يفرز العظماء والابطالا

يا شهيدا مغيبا تبقى رمزا                      

يستحق التكريم والاجلالا

نُشرت القصيدة في العدد الثامن عشر من صحيفة النهار (الصفحة الثانية) في يوم الثلاثاء جمادي الاخرة 1433 هـ – 1 مايو 2012م.

جوانب اخرى من تداعيات المحنة..

عندما اُعتقل السيد هلال – في عام 1984م – كانت أسرته مكونة من اثنى عشر فردا، بالإضافة الى السيدة زوجته. تركهم وجلهم شبابا وأطفالا بدون عائل وبدون مصدر رزق بعد أن استولى الطاغوت على مصدر الرزق الوحيد.

ترك السيد هلال اطفالا وشبابا لا حول لهم ولا قوة: رفعت (20 عاما)، واسامة (19)، وفاطمة (15) ومنذر(13)، وحميد (12)، وسفيان (11)، واشرف (9)، وحسام (7)، وحازم (5)، واسماء (4)، وحنان (2)، وهناء (ولدت بعد اربعة اشهر من اعتقال والدها). ولم يراها ابدا.

اعتقل رب هذه الأسرة الكبيرة عددا وقيمة ومكانة ومقاما، ولم يلتفت إلى الاسرة أحد، فبدأ الشباب مبكرا، ومبكرا جدا، رحلة طويلة من الكد والكدح والكفاح من أجل توفير لقمة العيش لأسرة بهذا الحجم تحت مظلة نظام شرس ظالم لا يرقب في مؤمن إلا ولا ذمة. نظام تحجرت قلوب اتباعه، هذا إن كان لهم من قلوب أصلا. نظام رجاله اقرب إلى الضباع منهم إلى أي شيء آخر.

تُركت الاسرة بين ليلة وضحاها بدون مصدر رزق وبدون مبالاة من أحد وبدون عائل. بل ولم تترك هذه الاسرة الكريمة في سلام، فقد توالى عليها الضيق والنكد والتضييق والمطاردة والمراقبة والملاحقة من قبل نظام الطاغوت حتى بعد أن غُيب ربها.  

ولعلي اقول أن الأحزان والحيرة والألام الناجمة عن وفاة أحد أفراد الأسرة أهون الف الف الف مرة من تغييبه؟ فالألام – في أجواء التغييب – تتضاعف، كما تتضاعف الحيرة والقلق والترقب والأحزان أضعافا مضاعفة، عندما نجهل مصير من نحب، أين هو؟ أين اصطحبوه؟، أين قتلوه؟ وإن قُتل، أين دُفن؟، أين رفاته؟ كيف قُتل، هل مازال على قيد الحياة؟ كيف يبدوا صورة؟ كيف تبدوا حالته الصحية؟ والنفسية؟ ماذا يفعل؟ هل ما زال يتذكر ابناؤه واهله ومدينته وزوجته واسرته؟

عشرات الاسئلة والمخاوف والسيناريوات والوساوس والهواجس تحتل افئدة وعقول وقلوب أهالي المغيبين. عذاب متواصل متجدد دائم يوميا تعانيه كل أسرة غُيب احد افرادها. أهون مليون مرة – إذن – أن تعلم الأسرة أن أحد افرادها قد قضى، من أن يعيش أفرادها في دوامة من الحيرة والتوتر والعذاب والهواجس والشكوك والقلق.

بل ويزداد هذا العذاب كلما طل علينا موسم من مواسمنا: شهر رمضان الكريم، عيد الفطر، عيد الأضحى، موسم الحج، مولد الرسول الكريم، مناسبات عدة أخرى، أفراح، مآتم، أيام الجمعة. ففي كل هذه المناسبات والمواسم والمواقف والأحداث تفرض صورة المغيب نفسها وبقوة على مشهد الأسرة المنكوبة فتزداد الأحزان وتتمزق القلوب مجددا وتذرف الدموع اضعافا مضاعفة. ولا تمر تلك الأعياد وتلك المناسبات على الأسرة الكريمة الا وقد غرقت في بحر من الهموم والضيق والاحزان.

 فرب البيت قاب قوسين او ادنى بين يدي هوام لا يرقبون في مؤمن إلا ولاذمة، قاب قوسين او ادنى تأكل جدران المعتقلات عمره ثانية بثانية بثانية، حُرم من فلذات كبده وحرموا منه. فقدوا رعاية وحنان وعناية واهتمام الأب الذي اُعتقل ظلما وحكم عليه بالموت ظلما وزورا وعدوانا ونكاية وانتقاما وبهتانا، وحُرم السيد هلال فوق كل ذلك من رؤية احفاده الذين بلغوا اليوم واحد واربعون حفيدا. لم يرهم ولم يروه الى يومنا هذا. وهكذا مرت الاسرة الكريمة ومر رب بيتها الضحية بطبقات من الظلم بعضها فوق بعض.

وترفض السيدة نوارة الشارف وجدانيا أن رب بيتها ووالد أطفالها قد قضى، بل تعتقد وتتوقع وتؤمن بأن زوجها المغيب ما زال على قيد الحياة، بل لا تقبل حتى الهمس حول احتمال موته، بالرغم من ايمانها القوي.

 ولا يسعني إلا أن أحي هذه الأسرة الكريمة العصامية الصابرة. وأحي بالذات الوالدة الكريمة السيدة نوارة مصباح الشاوش والتي بالرغم من شدة المحنة وطول العذاب والحيرة والالام، كانت خير راعية لفلذات اكبادها، الامانة التي تركها بين يديها رب بيتها المغيب، فأحسنت تربيتهم وغرست فيهم من القيم ما حفظهم من ان ينجروا وراء رغبات الطاغوت أو أن ينحازوا إلى ظالم أو يمارسوا الظلم.

 بل ترعرعوا عصاميين، نفوسهم عزيزة، يطمحون إلى خدمة بلادهم، يعملون من أجل استقرارها السياسي، يرسخون فيها الأمن والعدل والأمان، يقاتلون في سبيل العدالة والحرية والمساواة، حتى لا يصاب غيرهم بالكم الهائل من الظلم الذي وقع عليهم.

نقول لهذه الأسرة الكريمة، ولغيرها من الأسر، التي نُكبت في ابنائها، بل ونقول للوطن باكمله: نسأله سبحانه وتعالى أنه إن كان رب بيتكم قد انتقل الى جوار قيوم السموات والأرض أن يتغمده برحمته وأن يتجاوز عن سيئاته وأن يحشره مع الصديقين والأنبياء والصحابة والشهداء.

وأن يعوضكم ويعوض الوطن عن فقدان رجل مناضل مكافح ذو عزة وعزيمة قوية كوالدكم السيد محمد الصادق هلال كل الخير. ونسأله سبحانه وتعالى أن يجمعكم وأن يجمعنا مع شهدائنا ومع ضحايا الوطن ضحايا الطاغوت الأرعن الأهوج الأحمق في جنة الخلد اإنه على كل شيء قدير.

وكلي أمل، باذن الله، في مواصلة مشوار البحث والتحقيق والتقصي، الى أن يتم الكشف عن مصير السيد هلال، بل وأعتبر أن هذا واجبا وطنيا جماعيا لابد أن تقوم به –  بجانب الأسرة – مؤسسات الدولة الرسمية ومؤسسات المجتمع المدني ولجان حقوق الانسان المحلية والعالمية والمحامين ورجال العدالة، واصدقاء واقرباء الضحية.

كما انه من ابسط حقوق الأسرة التي نُكبت ظلما وعدوانا في رب بيتها أن تتلقى الدعم والتعويض المعنوي والمادي والحسي الكامل عما مرت به من محن وعذاب والآم. فذلك اقل واجبات الوطن تجاه ضحاياه، وتلك ادنى حقوق هذه الأسرة، حقوق كفلها لهم الشرع والعرف والمنطق والمروة والوطنية والعدل والوطن.

ولابد ايضاً من تكريم السيد هلال تكريماً معنويا يليق به وبأمثاله من رجال الوطن، ليتحول كفاحهم وصمودهم وتاريخهم إلى منارة تقتدي بها أجيالنا القادمة.

وهكذا فنحن امام سيرة مناضل عملاق بدأ بممارسة مهنة الأنبياء (العلم والتعليم والتعلم) وتدرج في خدمة وطنه وأمته فخدم بلاده ووطنه وأبناء وطنه وناضل من أجل ليبيا سلميا بجميع السبل المشروعة، فعلم، وتحدث، وكتب، وتظاهر، وضحى من اجلها، ووقف وقفة الرجال الأبطال مع القضية الجزائرية والفلسطينية.

واعتقل وعُذب وسجن وتم الاستيلاء على مصدر رزقه، واُسقط من انتخابات فاز فيها بجدارة، واُسقط اسمه ظلما من تكريم دولة وقف معها وقفة مشرفة، وطورد واتهم زورا وبهتانا بشتى التهم، وحُرم فوق كل ذلك من أثمن ما يملكه الإنسان زوجته أم اطفاله، وحُرم من فلذات كبده، وغُيب إلى يومنا هذا.

نحن بين يدي سيرة رجل لم تثنه المحن عن عزمه في مواصلة مشواره النضالي كلما استطاع الى ذلك سبيلا، فوقف السيد هلال وهو قيد الإعتقال بعزة وشموخ واباء، ضد طاغوت عاث في الارض فسادا، وصمد داخل المعتقل، وكان صابرا مصبرا لزملائه.

ورفض أن يسترضي الجلاد بكلمات يخطها في ثوان قليلة تريحه من عذابات ثلث قرن، وفضل ان يبقى – بدلا من ذلك- رهين المعتقل، ورهين القمع والنكد والعذاب، على أن يستجدي طاغية ظالم جلاد.

فضل ان يفعل ذلك، حتى لا يُظلم غيره، فقد تجرع مرارة الظلم، فرفض أن يتعرض بني وطنه إلى الظلم. ليس ذلك فحسب بل استمسك بكتاب الله وحفظه ظهرا عن قلب، داخل المعتقل، نكاية في الظالمين، وسخرية من المحن، وتقرباً الى الله. نحن اذن امام سيرة أحد عمالقة وطننا الذين أرعب وجوده الطاغوت، فصمم على التخلص منه.

كما أن مسيرة السيد هلال النضالية ومواقفه وتمسكه بمبادئه ورفضه المساومة بتلك المباديء، يعتبر تاكيداً آخر على أن ليبيا لم ولن تخلو من الرجال الجبال. فهنيئا للوطن بأمثال هؤلاء الرجال وهنيئا لآل هلال ولزوجته الصابرة وابناؤه وبناته واحفاده هنيئا لكم جميعا بتاريخ والدكم المشرف وسيرته وعطائه فقد رفع بمواقفه الوطنية واصالته رؤوسكم عاليا ورفع رؤوسنا عاليا ورفع رأس الوطن عاليا. فوالدكم بإذن الله تأج على رأس الوطن. والله من وراء الله القصد.

فتحي الفاضلي

طرابلس-  24 ابريل 2014م

مشاركة